أخبار عامةرأي عراقي

قراءة في الثورة الحسينية (٢)

محمد عبد الجبار الشبوط

الفترة التي استغرقها النبي محمد (ص) في الدعوة الى منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري للمجتمع الاسلامي الجديد، وخاصة بين فتح مكة (سنة ٨ هجرية) ووفاته (سنة ١٠ هجرية) لم تكن كافية لتغيير المحتوى الداخلي للمجتمع القديم، رغم ان المنظومة اكتملت في القران الكريم بشهادة الاية ٣ من سورة المائدة التي جاء فيها: “أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي”. فقد اخذ الناس يدخلون باعداد كبيرة في الاسلام بعد فتح مكة: “وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا”، ولم يكن بوسع الرسول ان يتم عملية التغيير التي تحدثت عنها الاية ١١ من سورة الرعد:”إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ”.
ولذلك، كان من الممكن جدا ان يتسرب الخلل تدريجيا الى منظومة القيم العليا الحافة بالمركب الحضاري كما حذر القران، ويرتد المجتمع الى طبيعته البدوية لما قبل الاسلام. وقد بدأ تصدّع منظومة القيم القرانية في وقت مبكر بعد وفاة الرسول. وما ارتداد اعداد كبيرة من المسلمين لاسباب مختلفة، بعضها عقائدية والاخرى سياسية او اقتصادية، الا دليل صارخ على سطحية تقبل المجتمع الاسلامي انذاك لهذه القيم. وحصلت بعد ذلك اختلالات في المركب الحضاري مثل طريقة توزيع العطايا، وما حدث في خلافة عثمان ثم مقتله، ثم معركة الجمل التي كشفت عن رخاوة هائلة في التزام المسلمين بالقيم القرانية وخاصة الاية ٩ من سورة الحجرات التي تقول:”وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ”. ولن اتعرض بالتفصيل لهذه الاختلالات المختلفة، وسوف اقتصر على الاختلال في الجانب السياسي فقط من المركب الحضاري لعلاقته بتحليل ثورة الامام الحسين من زاوية حضارية.
كانت فكرة الدولة جديدة على مجتمع شبه الجزيرة العربية، وبخاصة بالنسبة لمكة والمدينة والطائف، وهي من الاضافات المهمة التي اضافها الاسلام على حياة سكان مكة والمدينة. لهذا وضعت وفاة الرسول بعد ١٠ سنوات من اقامة دولته المسلمين امام تحدٍ كبير فيما يتعلق بخلافته، وكيفية ادارة الدولة بعد وفاته، وعلاقة الدولة، وهي ظاهرة بشرية، بالدين وهو ظاهرة الهية.
و كشفت النقاشات التي دارت في سقيفة بني ساعدة مباشرة بعد وفاة الرسول في، على فرض صحة ما وصلنا منها، عن مسائل مهمة في الجانب السياسي للمركب الحضاري للمجتمع الذي انشأه الرسول، او الامة التي اخرجها القران للناس. ونقل لنا اليعقوبي في تاريخه، وابن قتيبة (٢١٣-٢٧٦ هجرية) في “الامامة والسياسة”، والطبري (٢٢٤-٣١٠) في تاريخه، وغيرهم، نصوص تلك المناقشات.
وقد كانت النقاشات علمانية بامتياز. كان اجتماعا سياسيا غاب عنه الدين، او غاب عنه النص كما يقول حسن العلوي. فقد شهدت تلك المداولات فصلا تاما بين الدين والسياسة، او الدين والدولة. ولم يتم الاستشهاد باية آية قرانية او حديث نبوي او حكم شرعي لحسم مسألة خلافة الرسول في الحكم والقيادة. فمما قيل في تلك المناقشات الساخنة:
“يا معاشر الانصار! منّا رسول الله، فنحن احق بمقامه”.
“منّا امير ومنكم امير!”
“منّا الامراء وانتم الوزراء!”
“قريش اولى بمحمد منكم”.
ومع ان هذا النقاش يكشف عن بقاء قيمة الشورى وهي عادة عربية قديمة اقرها القران، ولكن لم يشرح تفاصيلها، الا انه يكشف في نفس الوقت عن عدة امور او بعضها.
الامر الاول ان الية تداول السلطة في مجتمع الرسول لم تكن واضحة في اذهان نخبة المجتمع في عاصمته المدينة، وهم كبار الانصار والمهاجرين. وكأن القران او الشريعة الاسلامية لم يحددا الية معينة. وربما يقال ان الشورى هي الالية، لكنه من الثابت انه لا القران ولا الرسول شرحا تفاصيل الشورى والامور المتعلقة بها. وقد اثبتت طرق تولي كل من ابي بكر وعمر وعثمان وعلي ان مجتمع الرسول لم يكن يملك الية دستورية محددة لتولي السلطة وتداولها سوى ما قاله علي بن ابي طالب سنة ٣٥ هجرية على ما يرويه الطبري من انه قال:”ان هذا امركم ليس لاحد فيه حق الا من امرتم”. او قول عمر بن الخطاب قبله في سنة ٢٣ هجرية :”ألا وإنَّه بلَغني أنَّ فلانًا قال: لو قد مات عمرُ بايَعْتُ فلانًا فمَن بايَع امرأً مِن غيرِ مشورةٍ مِن المسلِمينَ فإنَّه لا بيعةَ له ولا للَّذي بايَعه فلا يغتَرَّنَّ أحدٌ فيقولَ: إنَّ بيعةَ أبي بكرٍ كانت فَلتةً ألا وإنَّها كانت فلتةً إلَّا أنَّ اللهَ وقى شرَّها”، وفي رواية اليعقوبي:”فمن عاد لمثلها فاقتلوه”. وبغض النظر عما كتبه الفقهاء في العصور التالية، مثل الماوردي في “الاحكام السلطانية” وغيرها، فان ما فعله المسلمون في مسألة تولي السلطة وتداولها في عهد الخلفاء الراشدين الاربعة لا يمكن ان نعتبره مصدرا للتشريع، لانه كان محض اجتهاد بشري لمجتمع له ظروفه الخاصة انذاك. وهنا يظهر حجم الخطأ الذي ارتكبه الفقهاء في العصور اللاحقة حين اعتبروا طرق تولي الخلفاء الاربعة تمثل الشريعة الاسلامية واخرجوها من اطارها البشري وادخلوها في دائرة الاحكام الشرعية السلطانية واستنبطوا منها احكامهم الشرعية.
الامر الثاني، ان يكون الرسول قد حسم مسألة خلافته باحدى ثلاث طرق هي:
اولا، تسمية من يخلفه في الحكم. وهذا ما عليه قول الشيعة الامامية من ان الرسول نص على علي بن ابي طالب في غدير خم سنة ١٠ للهجرة، قبل حوالي ٧٠ يوما من وفاته، وذلك في الحديث الذي رواه الترمذي وابن ماجه وصححه الالباني:”مَنْ كُنْت مَوْلَاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلاهُ”. ولم يتم الاحتجاج بهذا الحديث في ما وصلنا من نقاشات السقيفة.
ثانيا، ان الرسول او الشريعة الاسلامية وضعا الية محددة لتداول السلطة وتوليها في المجتمع الاسلامي. ولكن لم يلتزم بها المسلمون. وايضا لم يتم الاحتجاج بهذه الالية في مناقشات السقيفة، ولا في السنوات التالية حتى استيلاء معاوية على السلطة سنة ٤١ هجرية.
ثالثا، ان الرسول ترك امر تولي السلطة بعده فارغا، واحال الامر الى المسلمين انفسهم، على خلاف مافعله ابو بكر وعمر اللذان فكرا في الخلافة بعدهما. وايضا لم يتم البرهنة على هذا الامر. بل ان البرهنة عليه اصعب من البرهنة على ان الرسول سمّى خليفته.
وهكذا اصبحت مسالة خلافة الرسول وتولي السلطة، بعده، او ما سمي لاحقا “الامامة”، سبب “اعظم خلاف بين الامة”، حيث “ما سل سيف في الاسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الامامة في كل زمان”، كما يقول ابو الفتح محمد الشهرستاني (٤٩٠-٥٤٨ هجرية) في كتابه “الملل والنحل”.
وكان هذا اكبر خلل حصل في المركب الحضاري لمجتمع الرسول، في الجانب السياسي، وهو عدم الاتفاق بين الناس على الية دستورية محددة لتولي السلطة، وهم امر كان قد حسم قبل حوالي الف عام في اثينا الديمقراطية. واغلب الظن ان العرب عامة والمسلمين خاصة لم يكونوا على علم واطلاع بالتجربة الديمقراطية في اثينا وغيرها.
حتى القاب الحاكم كانت من صنع الناس. فقد اطلق الناس على ابي بكر لقب خليفة رسول الله، وعلى عمر في شطر من خلافته لقب خليفة خليفة رسول الله، ثم سمي امير المؤمنين عام ١٨ لان ابو موسى الاشعري خاطبه في كتاب بعثه له بهذا العنوان. وقيل ان المغيرة بن شعبة دخل عليه فقال: السلام عليك يا امير المؤمنين، فقال عمر: لتحرجن مما قلت. فقال: السنا مسلمين؟ قال عمر: بلى! فقال المغيرة: وانت اميرنا؟ قال عمر: اللهم نعم!
نعم كان هناك تفاهم ضمني ان الخلافة لا تورث. فلم يفكر ابو بكر او عمر او عثمان او علي او الحسن بان ينقل اي منهم الخلافة الى اي من ولده. ففي عهد هؤلاء الخمسة كان الحكم “خلافة” عن رسول الله، وليس “ملكا عَضوضا”، كما في حديث ينسب الى الرسول. والملك العضوض: فيه ظلم وعسف واستبداد. وخلافة رسول الله لا تصل الى متوليها وراثةً عن ابيه. الابن لا يرث الحكم من ابيه. هذا المقدار من الفهم كان موجودا طيلة اربعين عاما بعد الرسول.
لكن كبار القوم لم يكونوا يخفون طمعهم بالسلطة. وقد اشتكى الخليفة ابو بكر من ذلك بعدما عهد بالخلافة الى عمر حين امر عثمان ان يكتب: “فاني قد استعملتُ عليكم عمر بن الخطاب فاسمعوا واطيعوا”. وقال لعبد الرحمن بن عوف:”وقد زدتموني على ما بي أن رأيتموني استعملت رجلا منكم فكلكم قد اصبح وارم انفه، وكل يطلبها لنفسه.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى